شكلت الحرب كومة كبيرة من الركام,ألقت بثقلها فوق الكثير من الحكايات الصغيرة، فقد كان عبور رصاصة في فضاء الشرفات والاحياء الساهرة على أزيز الرصاص المتسكع، كفيلاً بلجوء تلك الحكايات الى سباتها.
المدنيون كانوا الضحايا، لكنهم بدورهم كانوا أيضاً متحاربين بشكل أو بآخر، فالإنتماء إلى طائفة معينة كان يعني في أحيان كثيرة، الإنتماء إلى متراس أو محور أو عقيدة حربية ما(بالراء)،أو في أحسن الأحوال كان يعني الأنتماء إلى جهة جغرافية حدودها خط أخضر قيل أنه كان وهمياً، والأنفصال نفسياً عن الجهة الأخرى، كان الموازي العقلي للنزول إلى الملاجئ، أو إقامة جدار من البراميل عند مداخل الأبنية.
رغم كل ذلك، وبعيداً عن أي إدعاء أو تطبع، كان لغريزة الأمومة حياتها الغريبة وسط ذلك المحيط من الإقتتال والتحاقد، وتحديداً في مكان ملاصق لواحد من أشهر وأخطر المحاور خلال سنوات الحرب الفائتة، وهذه واحدة من تلك القصص الجميلة والغريبة.
يمكن أن نبدأ على النحو التالي : عائلة شيعية من الجنوب، تسكن في أحد الأبنية في منطقة الطيونة، وفي ذات المبنى تسكن سيدة مسيحية من بكفيا تدعى أديل. العائلة الشيعية مكونة بطبيعة الحال من زوج وزوجة وعدد من الأبناء بينهم الصغيرعلي، أما أديل فكانت تعيش بمفردها. . . تجاوزاً لكل هذه التفاصيل، أفضل أن أكمل القصة كما سمعتها :
. . . . أنه وفي ذروة المعارك التي كانت تدور هناك، كانت أديل تصرخ لجارتها أم علي أن تنتبه، فتارة تطلب منها أن تنزل إلى الملجأ، وأخرى تكتفي بالطلب إليها أن تحذر التواجد في ناحية معينة من الشقة، وذلك بحسب وجهة النيران، لكنها كانت تردف في كل مرة بسؤال :(وينو علي..؟)، فإما أن تأخذه عندها، أو تنزل إليه لتحتضنه وتطمئن عليه.
أحبت أديل (علي) كثيراً، إلى حدٍ لامس الهوس، ولم تكن تتردد في إظهار حبها للصبي الصغير والعناية به، فتطعمه وتغسل ثيابه وتهتم بنظافته وصولاً إلى اللعب معه.
كانت أديل مولعة بالشراب أيضاً، لكن ذلك لم يشكل يوماً عائقاً بينها وبين جيرانها، ولم يكن ليفك الإرتباط الوثيق الذي نشأ بين الأم التي تقطن في أعماق هذه السيدة، وبين أسرة من صار بمثابة إبنها.
إعتادت الTante أديل، كما كان يناديهاعلي، الخروج في فترات الهدوء، مصطحبةً الصبي معها، لتبتاع له كل مايطلب وحتى ما لم يطلب، أما في البيت، فهو نزيل حنانها ودلالها، تتركه يسرح ويمرح ويعبث كيفما يحلو له.
أضحت هذه العلاقة لازمة طبيعية في حياة البيتين، اللذين ربطتهما علاقة جيرة وصداقة وشراكة إنسانية عنوانها هو علي .
في تلك الفترة، وتلك المنطقة، كانت العلاقة بين جارين، أحدهما مسلم والآخر مسيحي، لا تعد بالضرورة من العجائب، إلا أنها لم تكن أمراً طبيعياً أو تلقائياً ويومياً، بالخصوص إذا ما كان إبن أحد الجارين، نزيلاً دائماً في بيت وقلب وعقل الجار الآخر .
طيلة فترات القصف و القنص أو الإقتحامات المتبادلة، كان محيط المبنى الذي يقطنه علي، هدفاً بديهياً لسقوط القذائف والقتلى، وعنواناً رئيسياً لنشرات الأخبار. وكانت الأحداث تأخذ مجريات غير متوقعة .
حركة اللبنانيين خلال الحرب كانت متواترة، والتوزيع الذي أملته القذائف، كان أقوى من أي قرار أو رغبة أخرى. اضطرت عائلة علي للإنتقال إلى أحد الأحياء القريبة من طريق المطار، فيما غادرت أديل باتجاه بلدتها بكفيا. في حالات وظروف مشابهة، يفترض أن كل أم ستحتضن أطفالها وتحملهم إلى الناحية الأكثر أمناً،أما هنا فأم علي احتضنت ابن أديل وغادرت !.
مرت السنوات، كبر علي وصار شاباً, ثم انتهت الحرب، وقررت أديل زيارة جارتها, أو أم ابنها كما كانت تعرّف عنها، صارت على علم بالعنوان، وبات من المؤكد انها ستأتي. الحاج علي يبدو مربكاً رغم اشتياقه !
عفواً..! حاج ؟ نعم أدى علي فريضة الحج, فهوالآن شاب ملتزم دينياً, تزوج ثم سافر إلى كندا وأصبح لديه أسرة. وعندما سافرت زوجته إلى لبنان, كانت أولى وصاياه لها, أن تزور مع طفله(Tanteأديل) التي استقبلتهما في بكفيا بفرح ودموع، وكانت كلما طلبت زوجة علي من ابنها أن يكف عن عبثه وشقاوته في أرجاء منزل أديل, ردعتها هذه الأخيرة قائلةً : (تركيه .. هيدا علي عم يلعب قدامي). أما الآن فالحاج علي في موقف لا يحسد عليه, إرباكه أفقده أعصابه, حتى لاحظ ذلك كل من حوله, فما الذي يجري ؟ .
.. عاد علي من كندا ليزور أهله, سرعان ما اتصلت أمه بأديل تدعوها لرؤية حبيبها العائد, لكن علي يكاد يفسد الأمر برمته, إلى أن افصح لوالدته الحاجة أم علي عما يزعجه ويربكه:(أكيد أديل بدها تعبطني وتبوسني..! وهيدا هلق صار شرعاً ما بيجوز..أنا كتير مشتاقلها..وحابب شوفها..بس..!).
أشارت عليه أمه أن يستشير رجل دين,علّه يرشده إلى مخرج. ثم راحت تبدد عنه مخاوفه من إمكانية أن تصطحب أديل معها (قنية ويسكي أو عرق)على عادتها في المناسبات السعيدة, مما سيسبب له إحراجاً كبيراً سيما مع وضعه الجديد, الذي لا تعرف عنه أديل شيئاً, فهو بالنسبه إليها ليس إلا "علي" صغيرها وفلذة كبدها الذي مرت سنوات ولم تره .
ظل الحاج علي حائراً, يبحث عن مخرج لائق تارةً, وأخرى يرد على غمز ومزاح أصدقائه, الذين راق لهم الموقف.لما يعرفوه عن شدة خجل صاحبهم, فغدا مادة دسمة لنكاتهم.
أما الحاج فلم يجد أي مخرج شرعي مقبول بالنسبة له. فقرر أن يواجه الموقف.
وصلت أديل, وعلى الفور إنطلقت حفلة نسائية من العناق والقبل, ولما اقتربت من ذلك الشاب الذي كان يوماً طفلها, استوقفها طلبه المؤدب, الذي تلاه بابتسامة لم تفلح في إخفاء الحياء الذي لون وجهه بالأحمر, تفهمت أديل الأمر بكل طيبة خاطر, وخففت عن علي توتره بلهجة حانية: (ما رح بوسك.. ولا أعبطك.. بدي أقعد حدك وملّس عليك بس..).
أجلسته قربها, وأخذت تمسح بكفها على كتفه وساعده, وتتأمل وجهه الذي بدأ يتصبب عرقاً, فما كان منها إلا أن أخرجت منديلاً ورقياً ومسحت حبيبات العرق, ثم وضعت المنديل بين شفتيها لتقبل السائل الذي كان قبل لحظات عالقاً فوق جبين علي ووجنتيه .
في آخر زيارة له إلى لبنان, توجه الحاج علي مع زوجته وأولاده إلى بكفيا قاصداً أديل, لم تعرفه هذه المرة,فقد أنهكها كبر السن والمرض, وشتّت ذاكرتها إدمان الشراب, لكن ما أن سمعت صوتاً يسألها : (شو..ما عرفتيني؟)
حتى صاحت: (بلى..حبيبي علي) .
هذا كل ما أعرفه عن القصة, لم أسأل ولن أسأل المزيد عنها, فهي جميلة بهذا القدر .
قصة الصديق رياض الأمين التي فازت بمسابقة البي بي سي ومجلة العربي للأقلام الشابة ونشرت في عدد الشهر الحالي
كتبها عصام سحمراني في 03:20 صباحاً ::
لو كانت الطائقية رجل لتكفلت بقتله حتى لو اعدمت بعدها
الحرب التي عصفت بلبنان الجريح
كانت شظية من شظايا الطائفية الملعونة
التي اطلقها اصحاب منهج فرق تسد
رائع ان تجمعنا المصاعب ولا تفرقنا المسرات
اوديل تلك الانسانة المتحررة من عبودية المصنفات التي تلغي الأدمية
هي اوديل الأنسانة الروح النابضة بالحرية الحقه
دع زجاجتها جانباً وتذكر انسانيتها
دع دينها على أقرب طاول وتذكر امومتها
دع كل مايجردنا من انسانيتنا
وتذكر ان الحياة مشتركة نتقاسم ملحها وخبزها وورق اشجاها حتى مع الحويانات
لك تحية عالنقل
ولرياض ورود وياسمين الحرية
لا للطائفيه دوما يا عصام..
الرجاء من كل من جس خلال العقود الاخيرة حبل التاريخ، ثم عانى خلال العقود الثلاثة الاخيرة مخاض الولادة، ثم شهد ولادة الامة اللبنانية فجر القرن الواحد والعشرين ، و كل من لا يرى اي قيمة نظرية او عملية او انسانية و اخلاقية في جميع ادعاءات ولادة الامة اللبنانية قبل هذا التاريخ ان يساهم في تحديد مقومات هذه الامة العظيمة التي لا مثيل لها في التاريخ الانساني. و الرجاء من كل باحث مهتم العودة الى ظروف نشؤ الامة البرتغالية على ضفاف شبه الجزيرة الايبيرية او اسبانيا الحالية ليكتشف بعض مقومات نشوء الامة اللبنانية على ضفاف شبه الجزيرة العربية او الشام الحالية.
الرجاء عدم تدنيس هذه الامة هذه الامة الرقيقة في اللغة و الملبس و المأكل والمشرب والدين بأي رجس من اصناف العنصرية البغيضة و الشوفينية الدميمة. ان مقتل هذه الامة العصية على الاعداء في العنصرية و الشوفينية.
مبروك فوزك بالجائزة يا صديقي..
أهلا بك منى.. لا أريد التعليق عوضاً عن رياض.. لكن أشكرك على المرور
أهلا بك سما
تحياتي إليك
الامة اللبنانية
أهلا بك
تحياتي الحمراء رفيق .
بوركت اناملك باسم الهة الحرية القديمة.كلامك بندقية تنبت على صدر الوطن
في التعليق رفيق من مدوني :
www.ssakhra.wordpress.com
تحية للكاتب رياض الأمين ويستحق الجائزة حقاً..
لاأستطيع التعليق بشكل قد يكون مستفزاً لأمثال الحاج علي..
ولكن إزاء هذه المشاعر المقدسة أعتقد ان عناقها هو صلاة وواجب..
أحسّ بأديل وأراهن دوماً أن الأمومة هي شعور واحساس بالمسوؤلية ..وليست الأم من تنجب بل من تشعر بالأمومة
شكراً عصام الرائع ..حتى باختيارك لغيرك .تبدو متميزاً..
سلامي واحترامي لك وللقاص رياض أمين
رفيق مدونة الصخرة
أهلا بك
وشكرا لمرورك
أهلا بك أستاذة هيفاء
تحياتي إليك وشكرا لكلماتك
اشكر للجميع اهتمامهم وكل الحب للرائعة منى الهادي وللسيدة هيفاء
وطبعا للصديق الغالي عصام سلام يا صاحبي
رياض
وأخيرا حظينا بزيارتك يا رياض
شكرا لك فعلا
أولا للقصة الرائعة التي فازت يا سحر ويا رحمن بمسابقة البي بي سي والعربي
ثانيا لمرورك الذي أتمنى أن يتواصل دائما
تحياتي إليك
الاسم: عصام سحمراني
